عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
26
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : قال أبو بكر المالكي وذكر أنها قالت له يوما : يا زاني فقال لهم : سلوها بمن زنيت فسألوها فقالت لهم : بالخادم ، فقال لهم : سلوها لمن الخادم لي أو لها ؟ فقالت لهم : له « 1 » . قال : واتفقت عليه محنة من قبل أشياع بني عبيد ، وسجن أيّاما ثم أطلق ، ومنع الفتوى والإسماع ، واجتماع الطلبة عليه حتى توفي . وكان أبو محمد بن أبي زيد ، وأبو محمد بن التبان يأتيان إليه في خفية ، وربما جعلا الكتب في أوساطهما وحجزتهما حتى تبتل بأعراقهما خوفا من بني عبيد أن ينالوهم بمكروه « 2 » . قلت : كان أصل محنته أنّه صلّى على جنازة استؤذن لها ، وقد حضر ابن أبي المنهال القاضي بجنازة أخرى كلم عليها ، فصلّى أبو بكر وصلّى وراءه ابن أبي المنهال ، ثم قدمت الجنازة الأخرى ، وصلّى عليها ابن أبي المنهال فجلس أبو بكر ومدّ رجليه واستدبر القبلة ولم يصلّ وراءه فشق ذلك على ابن أبي المنهال ، فبعث وراءه ودار بينهما كلام في ذلك فأمر بسجنه ، فجاء الغلام ليأخذ بيده فانتهره وقال : دع أشهدكم إني مسجون ، ومضى إلى السّجن ، فذهب محمد ابن أخيه إلى المهدية فأخبر بذلك البغدادي وكان يحبه فسعى له عند عبيد اللّه حتى أمره أن يكتب إلى ابن أبي المنهال بإخراجه من السجن على أن لا يفتي ولا يجتمع إليه أحد ، ولا يفتي إلا بمذهب السلطان ، وكتب في رقعة داخل الكتاب ما هذا الذي فعلت عمدت إلى عمدة بلده فأحدثت فيه هذه الأحدوثة ، وهذا مما كرهه أمير المؤمنين ، فلا تعد إلى مثل هذا ، فلما وصل الكتاب ، أخرجه وقال له : هذا كتاب أمير المؤمنين نجد فيه أن لا تفتي ولا يجتمع إليك أحد ، وإن مرضت فلا تعاد ، فقال له أبو بكر : هذه مسألة لم تنزل بعد ، وبقي أبو بكر لا يسمع إلا خفية ، فإذا اجتمعوا فتحت لهم الخادم الباب فيدخلون ، وتغلق عليهم فيقرءون ، وكان منهم أبو محمد بن أبي زيد وأبو محمد بن التبان . قال : وأصابه في آخر عمره فالج سنة ثلاثين وثلاثمائة . وحكي أنه مدّ رجليه ثم نظر إليهما وقد تغيّرتا ، ودخلتهما نفخة فبكى وجرت دموعه على شيبته ثم قال : اللهم ثبّتهما على جواز الصّراط يوم تزلّ الأقدام ، أنت العالم بهما والشاهد عليهما أنهما ما مشيا لك في معصية .
--> ( 1 ) الرياض : 2 / 285 . ( 2 ) الخبر ورد في الرياض بصيغة الجمع : 2 / 287 - 288 .